عني

عبدالعزيز المقبالي

استراتيجي تجربة العلامة المتكاملة
Integrated Brand Experience Strategist

كل مؤسسة تعد الناس بشيء، والناس يعيشون معها شيئا آخر. وبين الاثنين مسافة قضيت قرابة عشرين عاما أعمل فيها، أحاول أن أجعل ما تعد به المؤسسات حقيقة يعيشها الناس.

سؤال يقود إلى سؤال

لم أتنقل بين المجالات لأني لم أجد مكاني، بل لأن كل مجال كان يجيب عن سؤال، ثم يترك لي سؤالا أكبر منه. بدأت بالتصميم، ثم الهندسة الصوتية، ثم تطوير المواقع، وكنت في كل مرة أطارد مشكلة لم أجد لها حلا كاملا. صممت واجهات جميلة، ثم اكتشفت أن تجربة المستخدم وواجهته (UX/UI) لا تكفي، فالشاشة الجميلة لا تنقذ منتجا لا يحل مشكلة حقيقية. فقادني ذلك إلى التفكير في المنتج (Thinking in Product): أن أسأل أولا عن المشكلة، وعن الحل الذي يقدمه المنتج لها، قبل أن أسأل عن شكله.

وكان الثناء يلحقني في كل محطة، حتى صار بعض الناس يعرفني مصمما، وآخرون مطورا للمواقع، وغيرهم استراتيجيا للعلامات التجارية. وكان هذا الثناء نفسه ما أقلقني: إن كنت كل هذا، فمن أنا فعلا؟ فقررت في 2015 أن أبحث عن الجواب، وأن أختار مجالا واحدا أتقنه حتى النهاية. ظننتها رحلة شهر أعود منها بجواب، فامتدت ثلاث سنوات. ولم تكن انقطاعا عن العمل، بل رحلة تفكير تمشي إلى جانب رحلة العمل، شاركت في أثنائها في تأسيس وصلة، وبقي السؤال يرافقني في كل مشروع.

في تلك السنوات لم أجد المجال الواحد الذي خرجت أبحث عنه، بل وجدت الخيوط التي تربط المجالات كلها. كنت أسأل: ما العلاقة بين الفن، والتصميم، والأعمال، والتكنولوجيا؟ ولماذا تبدو كل واحدة منها ناقصة حين تعمل وحدها؟ وحضرت Web Summit لأختبر حدسي، فوجدته في الاتجاه الصحيح. وفي 2017 كتبت عرضا سميته "كيف سيبدو مستقبل التسويق؟"، توقعت فيه أن يلتقي التسويق، والتكنولوجيا، والفن، والإنسان، والأعمال، وأن تولد تخصصات جديدة في تصميم التجربة. وكتبت فيه: "الوكالات الإبداعية ستتحول لشركات ابتكار منتجات، وليس خدمات! أراهن على ذلك!" وبعد سنوات، وجدت نفسي أعيش ذلك الرهان.

وفي 2019 كنت في فندق voco بدبي. وخلف مكتب الاستقبال رأيت شعار IHG، المجموعة التي تقف خلف voco وخلف علامات فندقية كثيرة غيرها، لكل واحدة منها شخصيتها، وكلها تعمل بنظام تشغيل واحد. في تلك اللحظة اتصلت الخيوط، وسألت نفسي: ماذا لو وُجدت علامة تشغّل العلامات الملهمة، كما تشغّل IHG فنادقها؟ فتحت Miro ورسمت المخطط، وفي وسطه دائرة صغيرة فيها حرف واحد: X. وكتبت فوقها: "لأن من حق كل شخص أن يحظى بفرصة عيش حياة عظيمة، فرصة الوصول لإمكانياتهم الحقيقية. ولدى الماركات القدرة على المساعدة!" وعلى ورقة وردية إلى جانبها كتبت: مشروع لسنوات.

ومن الدائرة تفرعت خيوط كثيرة، أحدها سميته "قيادة التجارب | الماركات"، وتحته خمسة: التفكير في نموذج العمل التجاري، وفي هوية الماركة، وفي المنتج وتجربة الاستخدام، وفي التسويق والمبيعات، والإشراف على التنفيذ. وحين نظرت إليه فهمت أن جواب "من أنا؟" لم يكن مجالا واحدا من هذه المجالات، بل الدور الذي يجمعها.

وبعد أشهر قليلة، في ديسمبر 2019، التقيت بحمد علي، وكان يبحث عمن يبني معه علامته. وكل جهة التقاها قدمت له خدمتها من زاويتها: هذه للهوية، وتلك للتسويق، وأخرى للتقنية. قلت له إنه سيجد نفسه موزعا بين هذه الجهات، يحمل وحده عبء أن يجمع ما لا يجتمع، وإن ما يحتاجه ليس مزودا آخر، بل من يقود تجربة العلامة كلها معه، ويثق به في ذلك. فكانت زادوس أول اختبار حقيقي للجواب الذي وجدته.

بدأت التجربة في وصلة، التي شاركت في تأسيسها. وأسهم الزملاء هناك في بناء قصص ملهمة سميناها "قصص زادوس"، وبنينا معا الهوية البصرية والتوجه الاستراتيجي. ثم أيقنت في 2023 أن قيادة هذا النوع من العلامات تتطلب نموذج عمل مختلفا، فاخترت أن أمضي فيه مستقلا، وبقيت شريكا في زادوس إلى اليوم. ومنذ 2020 وأنا أمارس هذا الدور مع صناع تغيير في القطاع الحكومي، وغير الربحي، والتجاري.

ورحلة التفكير التي بدأت في 2015 لم تتوقف إلى اليوم. وما زلت أعمل على الورقة الوردية نفسها: مشروع لسنوات.

ما أؤمن به

  • العلامة كائن حي، له رؤية، وقيم، وشخصية، وسلوك. والناس يحكمون عليها بسلوكها، لا بما تقوله عن نفسها.

  • العلامة الحقيقية تنمو من الداخل: من معنى يؤمن به مؤسسها وفريقها، ثم تمتد إلى الهوية، والتجربة، والأثر. أما التي تبدأ من الحملات، فتبقى صوتا بلا جسد.

  • التجربة لا تعرف الهيكل التنظيمي. الناس يرون مؤسسة واحدة، مهما تعددت الأقسام خلفها. المقال

  • العلامات لا تصنع حاجات الناس، لكن الناس يأتمنونها عليها كلما اختاروها. المقال

  • استراتيجية العلامة غير استراتيجية التسويق: الأولى تخلق الكائن، والثانية تقرر كيف ينمو، وأين، ومع من.

كيف أعمل

لا أقدم خدمة منفصلة، ولا أبدأ من الشعار أو الحملة. أعمل شريكا مع القائد، فنبدأ من المعنى الذي تؤمن به مؤسسته، ثم نبني منه القيمة، والهوية، والتجربة في كل موضع يلتقي فيه الناس بالعلامة: في المنتج، والمنصات الرقمية، والتسويق، وفي سلوك الفريق نفسه. وأبقى معه بعد ذلك، لأن العلامة لا تُسلّم مرة واحدة، بل تُقاد كل يوم.

ولهذا أعمل مع عدد قليل من القادة في كل مرحلة، فقيادة تجربة العلامة لا تحتمل أن تتوزع.

من الرستاق

أنا من الرستاق، وأعيش اليوم في مسقط. ومن والدي حفظت جملة قالها لي ذات يوم عند باب حديدي، وظننتها يومها عن الباب وحده: "ما كل شيء تتعامل معه بالقوة، أحيانا يحتاج فقط حكمة". وأعرف اليوم أنها تصلح للعلامات أيضا؛ فكثير من المؤسسات تحاول أن تكسب الناس بالقوة: حملة أعلى صوتا، وميزانية أكبر، وشاشة أوسع. وما تحتاجه في الغالب حكمة تجمع أقسامها على معنى واحد، ثم تتركها تتصرف به كل يوم.


نبذة مختصرة

عبدالعزيز المقبالي استراتيجي تجربة العلامة المتكاملة من عُمان، يعمل منذ قرابة عشرين عاما في المسافة بين ما تعد به المؤسسات وما يعيشه الناس معها. شارك في تأسيس وصلة للاتصال التسويقي وكان مديرها الإبداعي، وصمم حملة "اختصرها أحسن" الوطنية للخدمات الإلكترونية، وعمل خبيرا للتجربة الرقمية في جهاز الاستثمار العُماني. وهو اليوم شريك مؤسس في زادوس، وشريك مؤسس ورئيس تجربة العلامة في أميما. من الرستاق، ويعيش في مسقط، ويكتب في abdulaziz.blog.

النشرة البريدية

رسائل من عبدالعزيز

مقالاتي الجديدة وما أتعلمه عن بناء العلامات، تصلك حين أنشر جديداً

لن نشارك بريدك مع أحد، ويمكنك إلغاء الاشتراك بنقرة من أي رسالة.